الشيخ محمد النهاوندي
54
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
اضطررت إليها أكلت منها . يا حفص ، إنّ اللّه تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون ، وإلى ما هم صائرون ، فحلم عنهم عند أعمالهم السيئة لعلمه السابق فيهم ، فلا يغرّنّك حسن الطلب ممّن لا يخاف الفوت » ثمّ تلا الآية ، وجعل يبكي ، ويقول : « ذهبت واللّه الأماني عند هذه الآية ، فاز واللّه الأبرار ، أتدري من هم ؟ هم الذين لا يؤذون الذرّ « 1 » ، كفى بخشية اللّه علما ، وكفى بالاغترار باللّه جهلا » « 2 » . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 84 إلى 85 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 ) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 ) ثمّ بيّن سبحانه ما به تحصل الدار الآخرة والعاقبة المحمودة بقوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ وقد مرّ تفسيرها في آخر سورة النمل « 3 » فَلَهُ بمقتضى التفضّل شيء أفضل من تلك الحسنة و خَيْرٌ مِنْها ذاتا ووصفا في القيامة وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ وعمل ما يسوء ربّه كالشّرك والعصيان فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا مثل ما كانُوا يَعْمَلُونَ بمقتضى العدل ، لا يزادون عليه ولا ينقصون . وفي تكرير إسناد السيئة إليهم مبالغة في الزّجر عنها ، وفي تهجين حالهم ، وزيادة تبغيض لها في قلوب السامعين ، وفيه تنبيه على عظم كلمة الكفر بحيث إنّ العذاب الدائم مثلها . ثمّ بشّر نبيه بأنّ عاقبته أحمد العواقب بقوله : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ وأوجب عليك تلاوته وتعظيمه وتبليغه والعمل به لَرادُّكَ بعد خروجك من الدنيا إِلى مَعادٍ ومرجع عظيم الشأن بحيث يغبطك به الاوّلون والآخرون ، وهو المقام المحمود ، ثوابا على إحسانك في العمل ، وتحمّلك المشاقّ التي لا تتحمّلها الجبال . وقيل : إنّ المراد بالمعاد مكّة ، وإنّما نكّر للتنبيه على عظم شأنه ، فانّ استيلاءه عليه السّلام عليها ، وقهره أهلها ، وظهور عزّ الاسلام وذلّ الكفر « 4 » بعد كونه مقهورا ومغلوبا ، من خوارق العادات الدالّة على رسالته ، والإخبار به قبل ظهور أماراته ، بل وجود أمارات خلافه من الأخبار الغيبيّة . روي أنّه صلّى اللّه عليه وآله خرج من الغار ، وسار في غير الطريق مخافة الطّلب ، فلمّا أمن رجع إلى الطريق ، ونزل بالجحفة بين مكّة والمدينة ، وعرف الطريق إلى مكة ، واشتاق إليها ، وذكر مولده ومولد أبيه ،
--> ( 1 ) . الذرّ : أصغر النمل . ( 2 ) . تفسير القمي 4 : 146 ، تفسير الصافي 4 : 106 . ( 3 ) . النمل : 27 / 89 . ( 4 ) . تفسير الرازي 25 : 21 .